الثقافة مختلف

كل شئ يبدأ صغيراً ثم يكبر إلا المصيبة فإنها تبدأ كبيرة ثم تصغر .

ورقة قدمتها الكاتبة حياة الياقوت في الحلقة النقاشية التي عقدتها مجلة الوعي الإسلامي، الاثنين 24 ذو القعدة 1431 الموافق 1 نوفمبر 2010 حول “أسباب العزوف عن النقد والأدب”، بمشاركة كل من: د. محمد إقبال عروي، والشيخ طلال العامر، والكاتب أمين حميد عبد الجبار، والكاتبة حياة الياقوت.

بداية، جئت هنا محمّلة بكثير من التحايا، وواجب عليّ إيصالها:

– النبطي، والملحون، والزجل يحييونكم جميعا. ويخبرونكم أنهم في خير خير حال.

– أما “روايات عبير”، و”روايات أحلام”، وبقية القصص الرومانسية للجيب، والروايات المعربة-المهرّبة فتقرئكم وافر السلام وتقول لكم بالمناسبة “الكمية محدودة، احجز نسختك الآن”.

الأدب يا قوم في صحة وعافية وبحبوحة، حتى أن وزنه ازداد مؤخرا بضعة كيلوغرامات! 🙂

هذه كانت مقدمة واجبة، لنعرف أن المعضلة ليست معضلة أدب، بقدر ما هي معضلة يواجهها صنف معين من الأدب. مصائب ومصاعب الأدب الفصيح، الأدب “الملتزم” –على العمومية المزعجة لهذه الكلمة- هذه المصائب ينظر لها فرع آخر من الأدب باستغراب وهو يرفل بثياب الصحة ويحمل صولجان المجد.

* * * * *

هل لدينا حقا مشكلة؟ وإذا كانت الإجابة بنعم، فما هي حدودها، ومن هم المتضررون، ومن سيتحمل تكلفة الإصلاح على افتراض غياب شركات التأمين الأدبي.
يقال أن “نظرية السبب الواحد سقطت”، لذا سأتناول القضية في عشر نقاط، لعل شيئا من التفسير يظهر خلالها إن شاء الله.

1) تخيلوا أن يموت الأدب!
لم عسانا نحفل بالأدب؟ تخيلوا مثلا أن يموت الأدب!
الأدب يهذب حاشية الإنسان ويشذبها، ويعدل مزاجه وانفعالاته، ويجعله أكثر تسامحا ورضا بما حوله. وبالأدب يلتفت الإنسان إلى عُوار الحياة ومصائبها، لا خاضعا طائعا، بل لأنه صار لديه العين الفاحصة ليلاحظ الشوائب وينكرها ولو وقر الإنكار في ضميره ولم يخرج للعلن. لهذا الأدب مهم، بالأدب تستظل النفس البشرية من ندوب حرب الحياة.
الأدب يرفع رايات متعددة، رايات تحذير، رايات فرح، رايات وصف، رايات تأريخ وتوثيق. ومن دون هذه الرايات، يصير المجتمع (المجتمع الصغير أو مجتمع الأرض برمته) أجرد، أعزل عن فهم ذاته، ناهيك عن تطويرها.

2) عزوف من؟
س: من الذي عزف؟ وعلى أي وتر حساس؟
ج: قد نقصد عزوف القارئ، وقد نقصد عزوف الأدباء المحتملين عن خوض غمار الأدب. أيا ما قصدنا، كل منهما يقود إلى الآخر. فأديب متحمس لا يلقى بالا من القراء، سينكفئ في محارته. والقارئ المتوقد إن لم يجد أدبا يناسب ذائقته ويناسب روح عصره وتطلعاته، ستتخطفه كلاليب كثيرة. لكن لا بد من أن نحدد المتهم الرئيس، ثم المتهم المتواطئ معه. وحتى لا ندخل في معضلة الدجاجة والبيضة -التي حلها لها الشيخ محمد متولي الشعراوي بأن جزم بأن الدجاجة جاءت قبل البيضة- نقول بكل ثقة بأن عزوف الأديب هو الدجاجة، والبيضة هي عزوف القارئ. كلاهما مليم إن عزف، لكنّ الأديب عليه واجب دفع زكاة موهبته، جنى ثمارها أو لم يفعل، فالحق عليه مضاعف وهو يعلم جيدا خط سير الدنيا، وأنها تهوى تكريم المبدعين بعد أن يردوا قبورهم!

3) هل ثمة تلازم حيوي بين الأدب والنقد؟
– س: هل المشكلة مشكلة أدب أم نقد؟
ج: كليهما معا. إن كثر الصاغة وغاب المحتسب، فنحن أمام جريمة شروع في الغش التجاري. عافية النقد ضرورية لحماية المستهلك-القارئ، وحماية تاريخ الأدب وتطوره وسمعته. غياب النقد يعني أن يكون الأدب “مالا سائبا”، وأن يخلو الجو للأعشاب الضارة.
وأنا هنا أتكلم عن حركة نقدية جدية، لا عن النقد الذي كالمديح، ولا عند النقد الجارح لتصفية الحسابات. أتكلم عن النقد الذي لا يخاف في الله لومة لائم. وعلينا أن نقر أن هذا النوع من النقد –شأنه شأن الموضوعية- عزيز. لماذا؟ أولا، طبيعة مجتمعاتنا التي ترى في النقد مشروع عداوة. ثانيا، غياب قنوات النشر المنهجية لهذا الرافد المهم. فما نقرأه من نقد حاليا يأتي بشكل رئيس في الصحافة وهي لا تسمح لظروف المساحة ولطبيعة الجمهور القارئ بنقد سابغ ناجز، والرافد الآخر هو المجلات وبالأخص العلمية المحكمة، وهذه لها جمهورها الأكاديمي النخبوي جدا.
الخبر السار هو أن ثمة تحولا رئيسا في حركة نقد الأدب والمنشورات بفضل الجيل الثاني من الـ”ويب”. فمواقع الشبكات الاجتماعية فتحت البوابة للقراء لإبداء أرائهم فيما يقرؤون. وصحيح أن آراءهم ليست أراء متخصصة، لكنها نبض الشارع، وقد تسر أديبا مغمورا لم يلق بالا من الأطر التقليدية. وموقع Goodreads.com مثلا يوفر منصة ممتازة حيث صار يحوي بجهود القراء على قاعدة بيانات ممتازة من النتاج العربي المنشور، ممهورة بتقويم القراء وآرائهم التفصيلية ونقاشاتهم. قد لا يكون النقد المُمنهج الذي نتوخاه، لكنه شقيقه التوأم.

4) الفصحى: أمة ولدت ربتها!
الفصحى؛ تلك الحرة، تلك السيدة التي صارت اليوم أَمَة وولدت ربتها (العامية). وهذا على أي حال من أشراط قيام الساعة. لماذا نتعامى عن العاميّة؟ إنه عصرها اللامع، ومن الطبيعي أن يربو ويزهو الأدب المكتوب بها. ودون إحصائيات، حاولوا أن تقارنوا مثلا بين مشاهدي “شاعر المليون” و”أمير الشعراء” وستعلمون جيدا ما أقصد.
وأنا هنا لست متشائمة كثيرا، لأني أرى أن الأدب بوابة جيدة لإعادة مجد الفصحى خاصة وإن تعاون مع الفن والإعلام بشكل متزن. الفصحى لها خاصية توحيدية، تمكن القارئ العربي أينما كان من فهم ما يقال في العمل الأدبي، والعربي يعلم في قرارة نفسه بذلك، لكنه في النهاية ضحية الـ” عين لام ميم”؛ الإعلام والتعليم.
وكي أدلل على أهمية تظافر الأدب والفن والإعلام، خذوا مثلا “الأناشيد” التي غالبها بالفصحى، كم قربت “مواطن الشارع” من الفصحى وساهمت من تعريفه ببعض روائع الشعر، وساهمت في كسر جمود الفصحى والصورة النمطية التي رسمتها لها المسلسلات التاريخية.

5) الملح الفاسد والعسل الدبق
لا أجد سببا لتسميه الأدب بهذا الاسم في العربية سوى لأن له من اسمه نصيب، فهو محكوم بدور قيمي، “رسالوي”، “ملتزم” شاء أم أبى، شئنا أم أبينا. لا يكون الأدب أدبا إن عازه الأدب، والإسكافي الحافي مضحكة الحي.
لطالما تصارع اتجاهان: “الأدب من أجل المجتمع” و”الأدب من أجل الأدب”. الأول يرى أن هدف الأدب تحسين أحوال المجتمع وإصلاحه، والثاني يرى أن الأدب نزهة، أن الأدب نوع من أنواع السلع الترفيهية التي لا داعي لتحميلها شعارات أكبر من حجمها. ولا يزال بعضهم يموج في بعض حتى اليوم.
“الأدب من أجل الأدب” ظريف وسهل القراءة ويعرف جيدا كيف يمسك بالعصب المناسب ليجعل القارئ يتعلق به. علينا أن نعترف أن مبيعات هذا النوع من “الأدب” مبيعات عالية جدا، وقد تكون هي الأعلى، تأتي بموازاتها أو بعدها الكتب الدراسية وكتب “تطوير الذات”.
أقول هذا لا للتحبيط، بل حتى لا نستسمن هذا الصنف، وكم من شخص يعاني من التخمة ومن سوء التغذية في آن واحد. هناك الكثير من القراء النهومين لهذا الصنف، لكن تأكدوا أنهم بحاجة إلى الكثير من الفيتامينات والمعادن حفاظا على صحتهم النفسية وتوازنهم الاجتماعي.
يقال “إذا فسد الملح، فبما يملّح”، وإذا فسد الأدب، فكيف لا يتسلل الرضا بالقبح إلى نفس القارئ. كيف لا يفسد الأدب، وهو يصر أن دوره هو وصف القبح والإشارة إليه بسبابة كبيرة، أن دوره نثر السباب على اعتبار أن هذا هو الأمر الواقع؟ الأدب مثل العسل، لذيذ في الفم، دبق على اليد. وحين يصر من يصر أن دور الأدب هو الوصف فقط أو الإمتاع فقط، فإننا إزاء برميل كبير من العسل، بل من الدبس الدبق، ينهرق على رأس المجتمع.
أعلم جيدا أن البعض يرى سذاجة أن يكون الأدب هو حامل لواء الإصلاح، وأن هذه نزعة قديمة تجاوزها الزمن بمراحل. لكن البديل أن يكون أدبنا كأخضر الدمن، جميل جدا لكن في منبت سوء. أقول هذا حتى لا يكون أدبنا مما يتبعه الغاوون. اليوم فاسد، غدا مُفسِد.

6) {ليسوا سواء}
“ليسوا سواء”، فإذا أردنا أن نرتب صنوف الأدب على قائمة القبول سنجد أن للشعر أو للرواية مكانة أفضل مثلا من النصوص المسرحية. وهذا الوعي ضروري للعلاج. ومن الضروري أن نعي أيضا أن ثمة ارتباطا وثيقا بين عالم الفن والأدب، أو لكي نكون أكثر دقة، فهناك من يصنف الأدب نوعا من أنواع الفنون الجميلة السبعة. وهذه القطيعة بين الأدب “الرسالي” وبين الفن مشكلة عويصة. فالفن (تمثيل درامي، مسرح، إنشاد/غناء) هي منصة الانطلاق في هذا العصر للأدب. وهذا يعيدنا لنقطة الإعلام التي طرحتُ آنفا. على الأدب الرسالي أن يجد مساحة لقاء مع الفن، وأن تكون المعادلة معادلة ربح لكلا الطرفين، لا تُخسر فيها القيم، بل تنتصر، وتكسب معها صفوف الجماهير.

7) الحصافة في التعامل مع الصحافة!
إذا عددنا المقالة صنفا أدبيا، فهل تأكل الصحافة حصة غير مشروعة من عالم الأدب والقراءة بأن صنعت للمقالة عالما لوحدها، فانطلقت وحلّقت، تاركة خلفها بقية الصنوف ترثي بوارها، في حين أن مقالات الهموم اليومية صارت الخبز وقهوة الصباح؟ وهل كفّرت الصحافة عن إثمها بأن قدمت صفحات ثقافية جيدة؟
الإعلام أكل جزءا من الكعكة، نعم. لكن هذا لا يبرر أن نترك بقيتها تحترق في الفرن. لا بد من حصافة في التعامل مع الصحافة بشكل خاص والإعلام بشكل عام. وإن كان الأدب تقزّم قليلا، فلا حرج أن يساعده عملاق الإعلام في استعاده مكانته أو شيء منها.
هذا يذكرني بالجمعيات المهنية. ألا ترون شبها بينها وبين إقطاعيات القرون الوسطى؟ هي ليست استثناء من المناخ العربي السائد. وكون أعضائها الصفوة لم يكون كافيا لتصفيتها وتخليتها، فدعوا عنكم التحلية. علامة استفهام كبيرة، وعلامة تعجب أكبر تحلقان في الأفق.

8) عين لام ميم: أيحسبُ التعليم أن يترك سدى؟
الإعلام مسؤول. التعليم مسؤول جدا، جدا، جدا. في حصة التعبير تأتي التعليمات كما يلي:
“يعد كذا وكذا مهما جدا، عبر عن رأيك بهذا الأمر بأسطر وقدرها كذا ”
تعليمنا ممتاز ليس في قتل الملكات اللغوية، بل وحتى في قتل ملكات التفكير. إنه يستولي على مقدرة الطالب على تكوين رأي بنفسه. إنه يُكوّن له الرأي سلفا، ثم يطلب منه الانطلاق والتعبير عن الرأي “الصحيح” الذي هبط فجأة. العصفور يغرد في القفص، نظن أن صوته جميل. لا نفقه ما يقول، لعله يدعو علينا!
أتذكر جيدا منهج اللغة العربية في الثانوية. كنا نشرّح النص كما لو كنا نشرّح ضفدعا في حصة الأحياء: الأفكار الرئيسة، الأفكار الفرعية، الثروة اللغوية. أسلوب ممتاز جدا كي تكره الأدب، مشروع قتل قارئ، وشروع في قتل أديب محتمل.

9) النشر، وما أدراك ما هو؟!
يقول د. غازي القصيبي: ” الناشر والمنشار. هل لاحظت الشّبَه؟”
فلنتفاءل، ولنقل أن الأدباء لم يفت عضدهم كل هذا، وأن القراء مستمسكون بعروة القراءة الجادة. لكن ما نفع هذا دون قنوات نشر مسؤولة؟ أكثر ما يثير إحباط الطرفين على حد سواء سلوكيات دور النشر التي تزن العمل بمعيار الربحية فقط لا بمعيار الجودة. وأنا هنا لا أتناسى أنها كيانات تجارية، لكن لكل كيان تجاري مسؤولية مجتمعية، وحمل أخلاقي. وأنا أتفهم أن رأس المال جبان، لكن أيهما أهم الاستثمار في رؤوس المال أم في الرؤوس والعقول؟
جاء النشر الإلكتروني ليحل جزءا كبيرا كبيرا من المعضلة، وجاء أيضا بمعضلات جديدة. فهذا السديم الإلكتروني المتمدد أتاح المجال للطيب والرديء، وعلي القارئ أن يصرف الكثير من الجهد في الفرز والتمحيص. ففي دار ناشري للنشر الإلكتروني (nashiri.net) اضطررنا ومنذ فترة إلى إيقاف قبول المشاركات في مجالات الشعر غير العمودي والخاطرة والقصة القصيرة لأن الكم الذي يصلنا غير معقول، فجأة صار ثلث العرب شعراء، والثلث الآخر كتابا للقصة، والثلث الثالث على الطريق. وفرز الجيد -القليل بالمناسبة- مما يأتينا كان عملية مملة ومتعبة.
من جانب آخر، أن علينا أن نعترف بأن ثمة نظرة كامنة بأن ما ينشر على الإنترنت أقل شأنا من المنشور الورقي، وهذا الصورة الذهنية ستحتاج وقتا طويلا لمعالجتها. ولنأمل خيرا.

10) ما بعد الكونكورد
أعلاه كان ما أراه عن واقع الأدب في عصرنا هذا. فلنعترف، لقد أضعنا تذكرة القطار، وليس العيب هنا. العيب أن نبكي فوات القطار ونحن في عصر الصواريخ. حتى طائرة الكونكورد أحيلت للتقاعد.
الأدب يمكنه أن يكون بعافية بشرطين: أن يعي دوره الرسالي، وأن يمد كل أيديه إلى الفن والإعلام، وأن ينظر بتفاؤل وجدية إلى الآفاق الإلكترونية. هنا سيمتطي صاروخا، ويشاهد – من علٍ- مقبرة القطارات المحكوم عليها بالإعدام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *