Divers أقتصاد الأخبار البيئة

إذا ضاقت الدنيا بك لا تقل يارب عندي هم كبير بل قل يا هم عندي رب كبير

غمغمات مُغتمة، وجعجعة كبيرة تصلصل في آخر عامين أو ثلاثة، وها هي تزداد اليوم مع تعاظم موجة الأعمال الأدبية التي لا تصل إلى الحد الأدنى من الجودة التي يتوقعها الوسط الثقافي. ورغم صعوبة تعريف الحد الأدنى للجودة، وصعوبة تحديد تخوم الوسط الثقافي، إلا أن المراقب سيشعر باستياء، ليس في هذا الوسط وحسب، بل حتى في أوساط أخرى لا تقرأ الأدب بالضرورة، لكن من يهمها أمرهم (أبناؤهم مثلا أو طلابهم) يفعلون. هذا ليس مقام التبرّم، وليس مقام العويل، هذا مقام التشخيص.

س: ما هي الأعراض؟

ج: أعمال أدبية مكتوبة بالعامية الفجّة، أو بلغة فصحى متواضعة وأحيانا سوقية ومليئة بالأخطاء اللغوية. القضايا ضحلة وعاطفية في معظمها، والمعالجة الأدبية ركيكة. باختصار، شروط العمل الأدبي معدومة أو تكاد. هذه ليست ظاهرة جديدة (هل نسيتم روايات عبير مثلا؟)، ولا يجب أن تثير قلق أحد إلا إذا علمنا أن هذه الأعمال تنال شعبية هائلة، شعبيةً لم تنلها الأعمال الرصينة قط!

وأرجو أن لا نظن أننا وحدنا المبتلون بالأمر من بين الأمم. ففي اللغة الإنكليزية كانت الكثير من الروايات الهابطة روايات قصيرة جدا (Novelette)، حتى أن كلمة “نوفلت” صارت تُستخدم بمعنى سلبي للدلالة على الروايات السخيفة أو العاطفية لا ككلمة توصيفية لحجم الرواية. كما أنّ ثلاثية مثل Fifty Shades أقل ما يقال عنها أنها غير مهذبة، ترجمت إلى أكثر من خمسين لغة، وبيعت منها أكثر من 100 مليون نسخة متفوقة على “هاري بوتر”! كل هذا رغم فقر مستواها الأدبي، وذلك بسبب محتواها الشهواني الصريح.

الشعبية –كفكرة عامة في أي مجال- تقتضي دوما –ويا للأسف- التبسّط، والانغماس في المألوف، وتحريك أوتار العاطفة (والشهوة إذا تيسّر). الشعبية تقتضي الإبحار في المعتاد، في غير المستفز، في الدنيوي، في الدنيّ، في الدنيء!

وهذه الشعبية التي أتت بها هذه الأعمال هي إرهاصة لتحول هام يطال الساحة الأدبية لدينا، هي نذير/بشير تحوّل الأدب من نشاط حَصْري إلى صناعة احترافية، صناعة سلعية رأسمالية. بالضبط كما حدث بفعل الطعام الشعبي السريع/القمامي (Fast/Junk Food). هذا الطعام السريع يضرب على أوتار الشعبية، فهو يتجاهل الفائدة والجودة والقيمة الغذائية، ويركز على الشكل والطعم/اللذة، إنّه يركز على الآنيّ والدنيّ. وبسبب/بفضل هذا الطعام السريع، صارت صناعة الطعام على ما هي عليه الآن، وتحوّل الطعام من نشاط منزلي بالدرجة الأولى إلى نشاط تجاري كاسح. بسبب سلاسل الأطعمة السريعة تغيرت نظرة الناس إلى تناول الطعام خارج البيت. هذا لا يعني أنه لم يكن هناك مطاعم هامة تحوز إقبالا من قبل، لكن فكرة أن يصبح تناول الطعام في المطعم عديلا أو مفضّلا على تناوله في البيت هي الفكرة الثورية التي جاءت بها (أو ابتلتنا بها) سلاسل المطاعم هذه. بل أن الأمر تفاقم وصارت هذه الوجبات تأتي إلى البيت لتحل محل الطهو البيتي. ما كانت صناعة الغذاء لتكون على ما هي عليه اليوم من انتشار وشعبية وطغيان لولا هذه الكائنات القبيحة المسماة مطاعم الوجبات السريعة.

وإنما مَثَل ما حدث في صناعة الغذاء هو ما يحدث في الآن في عالم الكتابة، والكتابة الأدبية تحديدا. هذه الكتابات الرديئة/الرقيعة/الركيكة، هذه الأعمال السريعة المريعة هي التي ستحوّل الأدب من نشاط نخبوي إلى نشاط شعبي، ستحوله إلى صناعة مكتملة الأركان. لا يعجبني شخصيا تسليع ورسملة الكتابة، لكن هكذا تسير الأمور على هذه الأرض على ما يبدو! وليس غريبا أنّ العرب تستعمل كلمة “سُوقي” للدلالة على ما هو فجّ ووضيع، وكأنّ ما ينزل إلى السوق ويصبح سلعة تستجدي الزبون، يُبتذل وينزل من قدره.

نعم، لطالما حلمنا أن ترتقي ذائقة الناس ويقبلوا على الأعمال “الرصينة” أو “الرفيعة”، لكن -ويا للأسف- فإن ما يحدث هو أن الناس لا يقبلون على مجال ما إلا إذا أُوجدت لهم فرجة ما، فرجة شعبية، بكل ما تحمله هذه الصفة من انحدار. الفرصة السانحة هنا هي في أن نأمل ونعمل على تقريب الأعمال الأعلى جودة إلى هذه الجماهير التي بدأت تعتاد القراءة، وأخذت تتذوق الأدب خاصة وأنها صغيرة السن في الغالب. ثقافة “الهَبَّة” أو الصَرعة تحكم مجتمعنا، وإقبالهم على القراءة بحد ذاته مبهج. وإن هم أقبلوا اليوم على قراءة ما نراه لا يليق، فإنه ثمة فرصة بأن تتطور أنماطهم القرائية والذائقية وتطمح لمستوى أعلى. وهذا التطور ليس ذاتيا بطبيعة الحال، بل لا بد من عمل دؤوب لتحقيقه.

وحتى لا نُغْرق في التفاؤل، فإنّ هذه النوعية من الأعمال الأدبية المُريعة ستظل موجودة، بل ستزدهر في السنوات القادمة أكثر وأكثر! هذه هي الدورة المنطقية للأمور. لكنّ هذا ليس مدعاة لليأس أو الغضب، بل مدعاة للعمل الجديّ على تقديم أعمال ذات جودة، وإيجاد آليات تسويقية لتقريبها من متذوقي “الأدب الأدنى”. وحينما تكتمل دورة الأمور، وتتحول الكتابة إلى صناعة مكتملة الأركان، حينها سنجد المبدأ الاقتصادي يفعل فعله: “العملة الجيدة تطرد العملة الرديئة”. وكما أن سلاسل المطاعم السريعة تتكاثر، فإن مطاعم الغداء الصحي بل والطعام الصحي السريع باتت توجد لنفسها آليات تسويقية تنافس فيها المطاعم السريعة، وتثبت وجودها ليس باعتبارها “الأفضل” صحيا، فمعظمنا يفكر بالطعم قبل الفائدة، بل باعتبارها أفضل في تسويق نفسها وإظهار قيمتها وميزتها التنافسية.

وحين يبدأ الأدب الرصين يفكّر كيف يجد لنفسه إطارا يصل به إلى الناس بدل من أن ينتظر من الناس أن يصعدوا إليه في عليائه، إلى ذلك الحين علينا أن نتأقلم مع الوضع القائم –وأحذركم بأنه سيستمر طويلا- ونقول: أهلا أيها الأدب السريع المريع، أهلا بك في ساحة النزال!

الكتاب “الماركة”!

إذًا يا قوم، كنتم قبل سنوات قلائل تشتكون ركود سوق الكتب؟ ها هو صار سوقا ناشطا وتحرّك، لكن على حساب الجودة. تريدون الرصانة والرفعة والعلياء؟ تحمّلوا الركود والنفور والنخبوية. تريدون الذيوع والإقبال والشعبية؟ تأقلموا مع ما يحدث باعتباره أمرا سيبقى ويزدهر للأسف. ودون هذا التقبل والتأقلم سيكون الشلل عن إدراك الوضع، والشلل عن تقديم أعمال تنافس وتنقش للأدب المحترم/الرصين/الرفيع/الراقي/الأعلى علامة خاصة فاخرة (ماركة) في عصر جُعلت فيه الكتابة سلعة.

حينما نشتري حقيبة أو سلعة من علامة تجارية فاخرة (ماركة)، فإننا هنا لا نشتري الجودة في التصنيع، رغم أن هذه المنتجات فعلا ذات جودة عالية. نحن هنا نشتري صورة وهوية نود الارتباط بها. بل أن بعضنا على استعداد على خداع نفسه وشراء سلعة مقلدة فقط كي يشعر بالانتماء إلى ركب هذه العلامة الفاخرة. وبرأيي هذا هو المنفذ التسويقي الوحيد المتاح “للأدب الأعلى” كي يجد لنفسه موطأ قدم في ساحة قرائية تموج بالمتاعب. بمعنى، يجب أن يتحول الأدب الرصين إلى “ماركة” يتنافس الناس في الحصول عليها. أما تفاصيل ذلك، فمتروكة لأهل الاقتصاد والتسويق.

إما أن يتشبث الكتّاب الجيدون بما هم عليه ويندبوا زمانهم الأربد ومجتمعهم المريض ويشتكوا قلة التقدير، وإما أن يحولوا ما يكتبون إلى “ماركات”، وهم بهذا يحتفظون بالجودة ولا ينزلون لمستوى الأدب السريع. لكنْ عليهم أن يعلموا أنهم نجحوا بسبب حسن التسويق لا بسبب جودة ما يكتبون! وعلى أي حال، فالنتيجة النهائية هي أنّ القارئ سيحظى بقراءة أدب راقٍ.

والحديث عن هذا النوع من الكتابات، يجرّنا قسرا إلى موضوع الرقابة. وإنّي مصدومة بسبب الذين يستنجدون بالرقابة كي تمنع هذه الأعمال، وهم في الوقت نفسه يشبعون الرقابة تأنيبا وشتما وركلا إذا منعت كتابا! ولست هنا في معرض الدفاع عن الرقابة، لكن علينا أن نفهم أن عملها رقابي وليست ضابطة للجودة، بمعنى أنها تمنع تداول الأعمال التي ترى أن فيها ما يخالف القانون. وسواء أتزيّدست الرقابة في مهمتها أم لم تفعل، فإن القانون بنصه الحالي لا يحمّلها مهمة منع الأعمال الموبوءة بالأخطاء اللغوية، أو المكتوبة بالعامية، أو المبنية على هيكل أدبي ركيك. هل يجب أن تكون من مهام الرقابة أن تفعل ذلك؟ اللهم لا، فهذا عمل القارئ بالدرجة الأولى، وعمل الإعلام، وعمل النقاد، وعمل الوسط الثقافي. لا يمكنهم طبعا منع الكتاب من التداول، لكن يمكنهم تجريده من الإشعاع الذي جاء الابتذال به.

ومن الأمور الطريفة أن الذين يلعنون الرقابة لأنها تمنع أعمال رصينة لأن فيها “ما يخالف الآداب العامة”، نجدهم أنفسهم يطلبون من الرقابة أن تمنع هذه الأعمال لأن تخالف الآداب وتفسد النشء. وهذا تناقض أقل ما يقال عنه أنّه مضحك.

أنا ضد الرقابة المسبقة التي تفرض على الكتب، وثمة قصور بل استنساب في القانون الكويتي الذي ميّز بين الكتب وغيرها من المطبوعات مثل الصحف والمجلات، فورّط الكتب بالرقابة السابقة، وسمح لبقية المطبوعات بالرقابة اللاحقة. بمعنى أن الكتاب يحتاج موافقة قبل أن يسمح بتداوله، في حين أن المطبوعات الأخرى يسمح بتداولها وإذا وجد فيها ما يخالف فإن الإجراء القانوني يُتخذ. ولن نتخلص من هذا الجدل إلا بجهود قانونية تسعى إلى تغيير القانون لتُعامل الكتب معاملة بقية المطبوعات. أما الفكرة الرومانسية بأنه يمكننا أن نقضي على الرقابة بالمطلق، ففكرة غير ممكنة، وغير محبذة. من السهل علينا أن نثرثر ونطالب بالحرية المطلقة، لكن حينما تؤدي هذه الحرية إلى المساس بنا شخصيا أو بمن نحب أو بمصالحنا، فسيكون كل منا أول من ينادي بالمنع. إذا، الحل ليس بالمطالبة بتقويض الرقابة، بل أن تكون لاحقة على النشر، ومنضبطة بنصوص قانونية واضحة يمكن التظلّم منها. وعليّ هنا أن أشير بأني لا أرضى أن ينشر منكر، أو إساءة، أو بذاءة، لكني أقول ما أقول لأني ضد الفوضى والعشوائية.

وأجدني أجنح إلى التفاؤل، فكلما زاد نشاط الرقابة، كلما أتاح هذا انتعاشا للكتاب الإلكتروني. لا يزال الكتاب الإلكتروني يواجه صعوبات عديدة أهمها أن معظم الأجيال التي تقرأ معتادة على الكتاب الورقي، وهذه النمط القرائي صعب تغييره لأنه نتيجة تعوّدات استمرت سنوات. لكن مع تكرار المنع، وعدم توفر الكتب الممنوعة إلا بصيغة إلكترونية، سنجد تقبلا اضطراريا وإقبالا على الكتاب الإلكتروني مما سيساهم في تسريع تغيير الأنماط القرائية لدى الكثيرين. ورب ضارة نافعة!

وعلينا أن نلتفت إلى أهمية وجود جهة ما، جهة غير رسمية ومستقلة، مهمتها استحداث نظام للتصنيف العمري للكتب، والأعمال الأدبية تحديدا، يحدد الشريحة الملائمة لقراءة هذا الكتاب أو ذاك. وهذه ليست فكرة جديدة، قد تكون جديدة على الكتب لكن ليس في على الافلام. فهناك نظام للتصنيف العُمْري للأفلام السينمائية جاءت به الجمعية الأمريكية للأفلام MPAA في عام 1968، وهي فكرة معمول بها في كثير دول العالم التي وضعت أنظمة تصنيف عمري للأفلام خاصة بها توافق احتياجات مجتمعها. حتى الأعمال الرصينة بمقاييس الوسط الثقافي قد لا تخلو من مخالفات لا تناسب الكثيرين أو البعض، فهذا ليس حكرا على الأعمال السريعة المريعة. لا أدعو هناك إلى جهة تضع ختم الجودة على هذا العمل أو ذاك، بل مهمتها أن تعاضد في حماية العيون والعقول والقلوب مما لا يليق، ومن أراد لنفسه أو لبنيه أن يخالفوا التصنيف/النصيحة، فهذا شأنه ومسؤوليته.

الساحة الكتابية، والأدبية تحديدا صارت تمور بتغييرات لا أبالغ إن قلت أنها مصيرية. ما نحتاجه هو شيء من الفهم الهادئ لما يحدث، وكثير كثير من العمل الصبور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *